08 مارس 2011



(خيبةُ حُلمٍ)




تنهدتْ بعد يومٍ طويل وشاقٍّ لها في المدرسة ثُمَّ قالت: "إنها أتعس مهنةٍ حقا.."

الفتاةُ التي كانت تجلسُ وهي تراقبها، كانت أصغر من أن تفهمَ معنى التعاسة.. حملقتْ في وجهِ خالتها برهةً ثم نطقتْ بأمنيتها:" لكنني أحلم أن أصبح معلمةً مثلكِ"..!

** ** **

لكن الأحلام دائمًا ما تكون مثاليةً جدا، كاملةً جدا، ولهذا تبدو مستحيلة أحيانًا.. فما معنى أن تحلم فتاةٌ ما زالت على مقاعد الدراسةِ بأن تصبحَ معلِّمَةً في المستقبل، وما معنى أن يحدث هذا حقا.. لتتذكر عبارة خالتها القديمةِ التي لم تفهمها إلا متأخرًا!!

يقول بيكون:" لا يأتي التعب من العمل، إنه يأتي من خيبة يولدها انعدام العمل، أو انعدام الإنجاز"..



حينما دخلتْ إلى المدرسةِ وهي تحمل شهادتها الجامعية كانت تنظر إلى الصفوفِ والجدرانِ وهي تحِسُّ بإحساس أليس في بلاد العجائب، وكأنها فجأةً لبستْ قُبَّعَةَ السعادة، وصارت تتخيلُ كيف ستقف في الغد بين طالباتها الصغيرات، وكيف ستعلمهن كل شيءٍ، وكيف ستصبح أخيرًا (معلمة حقيقية) وليست مجرد شخصية تؤديها مع إخوتها في المنزل أمام الخزانة التي كانت تستخدمها كسبورةٍ عريضَةٍ بحجمِ أحلامها!



ولأن الأحلامَ حين تتحققُ فإنها تبدو مختلفة تمامًا عما كانت عليه.. أصبحتْ أنفاسها تتلاحَقُ في مربعات الجدولِ التسعة، وصارت تتمنى أن تجد مربعًا خاويا تلتقط أنفاسها فيه، وجه المديرة العابس دائمًا وأبداً يفرض عليها الابتعاد عن كُلِّ الممراتِ التي قد تواجهها فيها، ووريقات الوكيلة الملونة والممتلئة بحصص الاحتياط التي تلاحِقُ الكُلَّ صارت كابوسًا يلاحقها حتى في نومها.. وريقاتٌ تلتصق بوسادتها وتعبئ وجهها وتدخل إلى فمها تتكور في بلعومها لتصحو وهي تشعر بالاختناق.. وتراودها في كل صبيحةٍ رغبة بالغياب.. لكنَّ منهجًا طويلا ينتظرُها بابتسامة صفراء..

متعَبة.. وكُلُّ أولئك الذين يمرون بالقرب من صفِّها ينقبون عن أخطائها، الطالبات لا يرِدن الإنصات لمزيدٍ من الشرح والدروس .. ولا يردن المزيد من الواجبات، والأهلُ يشتكون من مستوى بناتهن الضعيف، آه .. كل شيءٍ يدورُ حولها حتى يستقر فوق رأسها، ويزيد من صداعها..!

تُحاصرها أوامر الإدارة، ونظراتُ المعلماتِ اللواتي يُنافسنها بطرقٍ بدائية مكشوفة، ومهامٌ إضافية تضاف إليها.. الطالبات الصغيراتُ يلاحقنها ليحكين لها قصصا مملةً لا تنتهي عما فعلنه في إجازة الأسبوع، الشمسُ فوق رأسها في مناوبة الفسحة تزيدها إعياءً.. تسهو لوهلةٍ.. فتأتيها الوكيلةُ وتوبخها لأنها لا تراقب لعب الطالبات جيدا!..

تبًا لذلك الحلمِ..!

//

"ليس سهلا أبدًا أن يكونَ المرءُ مُعلِّمًا، فهل يا ترى نُدرِكَ قيمةَ المعلِّمِ بيننا.. ونحاول أن نزيلَ عنه بعض عنائه.. إنه لا يحتاج سوى قليل اهتمامٍ بما يقدِّمُهُ لنا وهو يركُضُ في مساحاتِ الجدولِ الضيقة!"






02 مارس 2011



....

مـــن اليمامة الهاربة ..



إلــــى: كشاجم

الموضوع: هل عُدْتَ إلى الطين ؟!

_______________

هل أنتَ مريض يا صديقي ...؟!

لا أسمع لكَ حِسًّا و لا أنسًا ..

أم أنكَ تريدُ أن تخاصمني ؟!

أ تدري .. إن كان كذلك .. فمعك حقّ .. أنا ديكتاتورية ..

ستسألني عن معناها .. و سأحاول أن أشرح شيئا منها .. الديكتاتورية يا سيدي إحدى التهم التي لَمْ تنَل منكم .. تستطيعُ أن تضعها مع الظلم و القمعِ و الاستبداد .. في سَلَّةٍ واحدة !!

أقول لكَ تستطيعُ أن تضعها .. و لا أقول إنها في تلك السلة حقا .. إذ لطالما نُعِتَ الأفرادُ و عُرفت جوقاتٌ شاذة من الشعوبِ بالظلمِ و الجريمةِ .. بينما حاول الساسةُ الحَدَّ من الشغبِ بالعدلِ و الحكمةِ و العقلِ ..

الآن .. صارت التُّهَمُ طُعومًا لاصطيادِ خيراتنا , و تجميدِ ثقافتنا العربية .. أطلقوا على ساستنا هذه التهمة .. و ها نحن نراهم يصطفون في مُحاكمةٍ لا عدالةَ فيها .. و لا قاضيًا نزيهًا أيضًا !!



الحقيقة .. و أعلم أنني سأكتب أشياء تعرفها جيدا .. إن تاريخنا لَمْ يحمِلْ لنا سوى أساطير لا أدري هل حدثت حقا في الماضي .. أم أنها خرافات لَمْ تكن أكثر من هذيانِ ملوكٍ ثملوا فتحدثوا بما لم يحدث .. و ظَنَّ الناسُ أن ما حُدَّثوا به قد حدث حقا .. فكتبوه وقرأناه .. و اليوم ندرسه و لا نحرسه .. نردده و لا نجدده .. !!

لو كان ذاكَ المَجْدُ حقيقيا .. فهذا يعني أن أولئكَ العربِ قَدْ أُبيدوا أو انقرضوا أو سُمِّموا .. ألا يقولون إن الأمم لا تفنى ببقاء الجيناتِ الموروثةِ التي تُخلِّدُ الناسَ في الناسِ .. فما بالنا لا نُشبِهُ أولئكَ العرب ببطولةٍ واحدة !

ما بالُكَ تفتحَ مَعاجمَك .. الديكتاتورية لصيقة بما أتحدث عنه .. إذ أصبحتْ التهمةَ الأولى التي ينعتوننا بها .. إنها تلكَ التفاحة التي أخرجتنا من عصرِ البطولةِ إلى عصر البطالة .. بل أنزلتنا من جنةِ المَجْدِ إلى دنيا لا مَجْدَ لنا فيها.. و الدنيا مأخوذة من الدُّنوِّ أي الانحطاط ( حتى لا تفتح المعجم ) !

الآنَ نحنُ نتآكلُ بشكلٍ مُروِّعٍ .. دودٌ من الداخِلِ و أشياءُ تنهَشنا من الخارِجِ .. نتعفَّنُ بمقتٍ .. نتفرق .. نتقاذف الشتائم .. نتلقف الفِتَنَ .. نُمعِنُ في السقوط ..

ننتهي .. ننازِع .. نحتضر .. و لا نعرِفُ أن نموت !



بل إنني أيضًا نرجسية ..

لا أهتم لكونكَ غاضبا أبدًا !..

و برغم أنكَ تكادُ تُغْلِقُ أبوابَكَ عني بعد أن انتعشَتْ روحي بتواصلنا , لا أترُكُكَ تنعَمُ بقبرِكَ .. و لا أريدُ أن أتزلَّفَ إليكَ باعتذارٍ لا أعنيه .. ..!

اعذرني فأنا من هذا العَصْرِ الذي قد يُفاجئكَ بكلِّ شيءٍ .. عصرٍ مريضٍ تعافُهُ النَّفْسُ أحيانًا خِشيةَ أن تلتقطَ عدوًى أو خشيةَ أن تتعرضَ لنفثةٍ سامَّةٍ منه .. و تَرِقُّ له أحيانًا إشفاقًا عليهِ مما فيهِ فتُضمِّد جروحه و تخيط فتوقه ..

عصرٍ كُلُّ من فيهِ موبوء .. لو انبعثت العصور من مراقدها لنبذته كما كانوا ينبذون المريض بالكوليرا .. يشيعونه إلى كوخِهِ و يُحرِقونه بما فيه من أشياء باهِظةٍ أو تافهة .. كُلُّ شيءٍ في العصر يُصبح رخيصا .. حتى تِلْكَ النوباتِ الثائرة .. النارُ مثواها في عُرْفِ عصورٍ لمْ تُصبْ بالأزهايمر !

الأزهايمر : فقدان الذاكرة من حينٍ لحين !

نفقِدُ ذاكرتنا .. فنُبَدِّلُ مواقفنا .. يومًا نُمَجِّدُ و يومًا نلعن .. لا ثابت .. الكل متغير .. الكُلُّ مرفوع عنه القلم .. الكُلُّ لا يعني ما يقول .. الكُلُّ لم يَعُدْ ذا دورٍ رئيس في رقعةِ الشطرنج .. أحجارنا فيها متشابهة .. كُلها بيادق لا يمكنها التحرك أكثر من خطوةٍ واحدةٍ إلى الأمام .. فقط إلى الأمامِ إلى أن يُزيحها شاه أو فيلٌ أو قلعةٌ من الفريق الأسودِ .. هم ليس لديهم بيادق .. جميعهم يتحركون كيفما شاؤوا .. و بكل الاتجاهات .

" من خَلَقَ الحُرِّيَّةَ من حَقِّهِ أن يَسْلُبَها ممن شاء " ..

و هم يرون أنهم يعيشون في الحُرِّيَّةِ و ينعمون بها .. و لهذا لا بأسَ أن يتحركوا إلينا بكُلِّ ثقةٍ ليزيحوا كُلَّ بيدق أبيض .. كُلُّ شيءٍ يبدو لهم بيدقًا .. و لهذا لا صعوبةَ في إزاحته .. كما أن البيدق أرخصُ لاعب في رقعةِ الشطرنج ..

هم يتقدمون بالقتل و الإزاحةِ .. و نحن من يناور و يُماطِلُ و يُحابي طمعًا بزمنٍ أطولَ على الرُّقعةِ .. فهذا هو المتاح .. و ليس لنا فُرصةُ النصرِ في تلكَ اللعبةِ الخبيثة !

كشاجم .. هل تفهم شيئًا مما أتحدث عنه .. ؟!

أخشى أنني تائهةٌ في الشكوى .. و أنت تائه في صمتِكَ .. !!

أ تعلَمْ .. نَفِّذْ لي أمنيةً و سأدعُكَ تنعَمُ براحةٍ في قبرك .. أريدُ أن تَقُصَّ هذا لسيفِ الدولةِ .. فليأذن لي بالاقترابِ من طينِهِ و بلاطِهِ .. و سأكون لكَ من الشاكرين ..

خَبِّرْهُ عنا .. و عني .. و عُدْ للطينِ يتغمدك الله برحمته .. حتى القيامة !

(مقطع من إحدى الروايات التي لم أكملها مكتوب منذ 2008م )