10 يناير 2011

الفيس بوك - واحد = الكثير الذي علينا أن نصدقه

:::

برغم أن من سيقرأ هذا العنوان الذي وضعته سيقول: "حكي فاضي"!!.. وموقف خشبي ولغة خشبية وما إلى ذلك من هذه التعابير.. إلا أنني :
أعلن انسحابي من موقع الـ facebook إلى الأبد.. وأدعو كل من سيقرأ هذا المقال إلى الانضمام إلى فئةِ الباحثين عما هو أكثر جدوى وفاعلية على مستوى الأمة العربية!

** ** **

أولاً: لست أعدُّ موقفي من الـ facebookردةَ فعلٍ أو ارتفاعًا في هرمونات العاطفة العربية التي عندي، وإنما هو موقفًا مُحتَّمًا عليَّ نتيجة عِلمي بحقيقته الخفية وتمكني أخيرًا من النظر بشمولية إلى هذا الشيء المُبهر (من وجهة نظر البعض)!
وأنا أرى أن هذا الموقف هو النتيجة الوحيدة التي يجب أن يؤدي إليها (وعيُنا) و(حِسُّنا) و(إنسانيتنا) .. بل والجزء (الفاضل) فينا..!
وبرغم أنني أمثل رقمًا واحِدًا في قائمةٍ طويلةٍ تضم أكثر من مليون وخمسمائة ألف مشترك عربي، بما قد يجعل البعض ساخِرًا من خطوتي وإن كان يؤمن بها.. إلا أنني لا أهتم حقيقة.. فما أثبته التاريخ عبر العصور لم يُبرهن أبدًا على أن الصواب هو ما يفعله الغالبية، وإنما هو ما يفعله العقلاء والنخبويون منهم وإن كانوا قِلة.. حيث جاء في القرآن الكريم قول الله تعالى:{وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ} سورة الأنعام الآية 116.

** ** **

يقول الشاعر محمد إقبال:
"لا يزال الإنسان حتى اليوم ضحية الاستقلال والاستعمال،
وإنه لَبلاء عظيمٌ أن يبقى الإنســان فريـــسة الإنســـان"..

لطالما تساءلت في داخلي: "ما الذي يدفع أحدًا إلى صُنعِ مكانٍ فيهِ كل الخدمات المجانية المُذهلة؟!"..
هل يُعقلُ أن يفعل أحدٌ ما شيئًا لغاياتٍ بريئةٍ فقط..
بل أن يصنع أداةً رائعة وكاملةً تقنيًا لكل البشر دون أن تكون له نوايا مشبوهة؟؟!

** ** **

أورد الإعلامي (أمجد طعمة) في حلقة مباشرة عن موقع الـ facebook على الفضائية السورية يوم السبت الماضي الموافق 10-1-2011م ؛ أورد قصة الفيلم الأمريكي (The Social Network ) الذي يتحدث عن مؤسس الموقع الشاب مارك زوكربرج، والذي يأتي بحقائق مجهولةٍ من قِبَلِنا تمامًا عن سر تأسيس هذا الموقع وكيفَ نشأت الفكرة ونُفِّذت وطُوِّرت وكان لها ذلك الذيوع والانتشار.. إنها حقائق تأتي بلسانِ الأمريكان أنفسهم.. ولكننا للأسف لم نفكر يومًا بالبحث عنها أو التنقيب عن تفاصيلها ولو لمجرد المعرفة!
كما أجرى بعض اللقاءات العابرة مع عدد من الشباب والفتيات لسؤالهم عن مدى معرفتهم بحقيقة الفيس بوك وكيفية نشوئه، إلا أنهم أثبتوا وبالإجماع عدم اطِّلاعهم على حقيقته وسر وجوده، مع أنهم يستخدمونه بشكل يومي كأداة للتواصل الاجتماعي والدردشة وتبادل الصور والملفات وغيره مع أصدقائهم ومعارفهم!
أليس مؤسفًا ألا نهتم أبدًا بالمعرفة التي تحيط بحقيقة الأشياء التي نستخدمها، لا أدري أين يختفي ذلك الفضول الذي يُحركنا.. لماذا لا ينتعش فضولنا إلا لندخل إلى الـ facebook بشكل يومي وساعيٍّ أيضًا فقط لنعرِفَ كل شيء جديد حصل مع الآخرين.. والذي يجعلنا أحيانًا نقضي وقتًا طويلا (لا قيمة له) في تصفح الآخرين فقط.. والبحث عن أناسٍ نريد أن نعرف عنهم كل شيءٍ.. من باب الفضول لا أكثر!!
لماذا يتحول هذا الفضول النوعيّ إلى ما يشبه النار التي تكبر وتمتد كلما تغذَّت وأكلت ورأت وتصفحَّت!!
أين يختفي فضولنا لمعرفة (حقيقة) الأمور!!

** ** **

في الـ facebook ... الكل جاهز للإفصاحِ عن كل شيءٍ يَخُصُّه.. هذا إن صدقَ في معلوماته!
الكل جاهز لأن يكتب على حائطه كل ما يحدث معه وله.. ليمر الآخرون أصدقاء كانوا أم أعداء ويقفوا أمام حائطه.. يتفرجون عليه.. وعلى صوَرِهِ وأسراره.. ليتبادلوا النكات بعدها أو السخرية أو الاحترام أو العبارات الفارغة..! ليس مهما ماذا يحصل بعدها.. لكن المهم أنه يمتلك حائطًا يتسع لِعُرِيِّهِ..!
هل يُعقَلُ أننا وصلنا إلى درجَةٍ من الحرية بأننا لم نعد نخجل.. لم نعد نهتم بأن تكون لنا خصوصيتنا التي هي نحن.. !!
يبدو أننا لم نعد نستخدم المفاتيح الصغيرة الخاصة بالأدراج المكتبية..!!
لم نعد نكتفي بصديقٍ أو اثنين..
لم نعد بشرًا من لحمٍ ودَمٍّ.. ما دمنا تحولنا إلى كائناتٍ مسطَّحَةِ الأبعادِ قابلةٍ للتصفُّحِ.. لا أعماق لها ولا أيَّ مضمون يستحِقُّ الحماية.!
لم نعد نبحث عن المعرفة القائمة على الاحترام..
لم نعد نسعى للتثاقف فيما هو أهمُّ منا.. لأننا حوَّلْنا أنفسنا إلى مادة ثقافية رخيصة ومُتاحَة للجميع.. لا تهَبُ الواقفَ ببابها أكثر من إشباعِ فضوله نحونا.. بل إننا ننسى ونتناسى أولئك الذين ينقبون عن سقطاتنا وأخطائنا وأصدقائنا وأفكارنا ليستخدموا كل ذلك ضدنا فيما بعد!!
هل كنا نسمح – في الماضي- أن يختلس أحدهم النظر إلى دفاتر مذكراتنا؟!
وهل كنا نترك أدراجنا مفتوحةً لذوينا ليفتشوا فيها عن أسرارنا التي تخصنا!!
أين اختفى كل ذلك الخجل القديم، وأين هلَكت كل تلك الاستقلالية التي كنا نتمتع بها، ونفرض على الآخرين احترامها وعدم اختراقها!!

** ** **

إنها الجاسوسية بأسوأ معانيها، ولكن بِتَعَامٍ منا.. ببلاهةٍ وبلادة..
كل هذا لأننا شعوب لا تقرأ ولا تملِكُ رغبة بالتخطيط لشيءٍ.. لا تملك رغبة بالتفكير في شيءٍ.. تريد فقط أن تعيش وهي تأكل كل ما يصل إليها دون أن تسأل عن مَصدره أو مُكَوِّنِه؟!
هل تحوَّلنا إلى كائنات (غير بشرية) محبوسةٍ خلف أقفاص الجهل تنتظر كلَّ ما يُلقِمُها إياهُ زائرو الحديقةِ المتفرجونَ على بدائعها!!

** ** **

شخصان فقط يعرفان كلمة السر الخاصة ببريدي الإلكتروني.. أنا وموقع الـ facebook.؟!
يالَها من سخرية...!
إنه يستطيعُ أن يعرف كل شيءٍ عني.. أقصدُ أولئك الذين يرأسونه..
لكن من الذي يرأسه؟‍
ليس مهمًّا أن أعرف.. كالعادة!

** ** **

صدمني كثيرًا أصلُ هذا الموقع.. وبرغم أن كثيرين من المشتركين به يتشدقون بمعرفةِ أنه موقع صهيوني (برغم أنه ليس صهيوني المنشأ في حقيقة الأمر) إلا أنهم اعتادوا أن يناهضوا الصهيونية وهم يتعاملون معها من باب (التفتح والعقلانية)!
والبعض يتخذ من مقولة :"الحكمة ضالة المؤمن، أنى وجدها فهو أحق بها" جِسْرًا آمنًا يأخذه بعيدًا عن التفكير بمناهضة هذا الموقعِ الخطير!
أي حكمةٍ أن نكون أحجار شطرنج، جميعنا بيادق لا حول لها ولا قوةَ سوى استعمالِ ما هو بين يديها، وقضم التفاحِ المسموم الذي قُدِّمَ إليها في سلَّةِ التحضُّرِ والتواصل الاستثنائي مع كل العالَم!!
لست أبالغ فيما أقول.. والحكمةُ هي أن ننأى بأنفسنا عن رقعةٍ يتقاسمها طرفانِ لسنا أحدهما، ولا يمكن أن نكون –مهما حاولنا- طرفًا ثالثًا لهما..!
الطرف الوحيد الذي يمكننا أن نلعبه هو أن نشجِّعَ أحدهما!! وهذه كارثةٌ أخرى!
وإن كنا نريدُ التواجد في الموقع كي نترك بصمتنا أو كي نفرِضَ حضورنا، فلا أعتقِدُ أن ما نقومُ به من استهلاكٍ تقني في هذا الموقع يساوي مثل هذا الكلام.. كما أن المنطق لا يقول بأنكَ تستطيع أن تُشارك في لعبة الشطرنج ولا مكان شاغر أبدًا لكَ.. !! اللعبةُ لا تحتمِلُ التدخُّل.. لأنها بدأتْ من أجلِ أن تسحَركَ.. وأنت تظن بأنها لُعبة!

** ** **

لكن... لماذا نعتبر أن أخذ مواقف جادَّة تسبح بنا عكس (السيل) هو نوع من أنواع (العْلاك*) كما نبذ أحدُهم الإعلاميَّ (أمجد طعمة) تعليقًا على ما جاء في حلقته عن الـ facebook !!!!
لماذا لا نهجر هذا الموقع.. ونشعر بشيءٍ من الفخر والاعتزاز بموقف جاد نوعي نخبوي بدلاً من الادعاء بأنها وسيلة فيها شيء من الفائدة لنا..
لماذا لا نتخذ موقفنا لمرةٍ واحدةٍ ليس من أجلنا.. بل من أجل أمورٍ أخرى لا تتعلق بنا!!
أمورٍ كـ :

1- كون هذا الموقع وسيلة لنشر كل شيءٍ دون التحقق من (حقيقته/ مصداقيته/ مدى كونه صالحًا للنشر/ مدى كونه غير مسيءٍ إلى الأديان والأشخاص والشخصيات العظيمة!)

2- كون هذا الموقع مكانًا تمَّ استغلاله من قِبَلِ أعدائنا لمعرفَةِ كل شيءٍ عنا وعن فكرِنا واهتماماتنا ما سيمكنهم من التخطيط الذكي للاستيلاء على نفطنا وأرضنا وثرواتنا .... ونحن في ذهول!!
حيث نشرت صحيفة فرنسية ملفًا واسعاً عن موقع facebook ،مؤكدة بأنه موقع استخباراتي إسرائيلي مهمته تجنيد العملاء والجواسيس لصالح إسرائيل، وتضمن الملف الذي نشرته مجلة "لوما غازين ديسراييل" معلومات عن أحدث طرق للجاسوسية تقوم بها كل من المخابرات الإسرائيلية والمخابرات الأمريكية عن طريق أشخاص عاديين لا يعرفون أنهم يقومون بمثل هذه المهمة الخطيرة يعتقدون بأنهم يقتلون الوقت أمام صفحات الدردشة الفورية واللغو في أمور قد تبدو غير مهمة، وأحيانا تافهة أيضا ولا قيمة لها.
كما أوردت الصحيفة أن هناك شعورًا جمعيًّا عربيًّا، باستفادة إسرائيل من الكم الهائل من المعلومات المتاحة عن المشتركين من العالمين العربي والإسلامي التي توجد في موقع الـ facebook وتحليلها وتكوين صورة استخباراتية عن الشباب العربي والمسلم يستطيع من خلالها تحريك الشارع العربي.

3- كون هذا الموقع لا يمنع أو يعيق تشكل مجموعاتٍ ذات طبيعة عدوانية تحزبية عنصرية مُسيئة إلى فئاتٍ ما.. من باب (التعبير الحر) برغم كل النداءات التي تُوجَّهُ إلى إدارة الموقع بخصوصِ هذا..

4- كون هذا الموقع بيئة صالحةً للفضيحة والتشهير والاختراق والانتحال والتجسس وسوء الظن بالآخرين.. ونشر الرذيلة والاتفاق على الجريمة.. والتعاون على العدوان.. ليصبح الواحد منا كما يقول ميخائيل نعيمة :
"بعض الناس كالسلم يصعد عليهم الصاعدون، وينزل النازلون،
أما هم فلا يصعدون ولا ينزلون"..!


5- كونِ هذا الموقع وسيلة لثراءِ أشخاصٍ غير صالحين بواسطة ما يُسمى (النقر المُربِح) الذي يحصل لدى نقرنا على أي من الإعلانات والدعايات والأخبار الوادرة فيه.!

6- كونه يحوِّلنا دون أن نقصد من شباب له نوايا سليمة في التعبير عن نفسه إلى شباب يسيء إلى نفسه ويتحول إلى جواسيس وناقلي ثقافتنا بطرق غير مدروسة إلى شعوب تبحث عن نقاط ضعفنا لتهاجمنا.

** ** **

غبي من يعتقد أنه يعيش في كونٍ فاضلٍ، وأننا أمة محبوبة من الأمم، وأننا غير مستهدفين من قبل الصهاينة وغيرهم، وأننا غير معنيين بشيء في هذا الكون سوى تربية نرجسيتنا والمرض بذواتنا..!
لماذا تحولنا من قادةٍ وفاتحين، إلى شعوبٍ غرائزية تريد أن تستمتع وتترفَّه.. وتغرق في سباتٍ عميقٍ!
يقول ميخائيل نعيمة:

"قبل أن تُفكِّروا في التخلص من حاكم مستبدٍّ، تخلَّصوا من
العادات والتقاليد والشهوات السود، التي تستبد بكم".

** ** **

سيقول أحدهم: "وهل الإنترنت محميٌّ من كل هذه السقطات التي يؤدي إليها الـ facebook ؟!
أقول: "لا طبعًا.. لكن هذا الموقع تحديدًا يستخدم هذه السقطات ضدنا ويحوِّلنا إلى شركاء في الجريمة.. لأننا جزء منه ومن كينونته التي لولانا ما عنت شيئًا لأحدٍ"!

** ** **

ربما لن أقنعكم بشيء طالما لا تريدون أن تفكروا بأبعد من (متعتكم).. ولكنني فقط سأقول:
تذكروا الزمن الجميل الخالي من كل هذا.. وكيف كنا نعيش داخل الوقت دون أن نعاني من الملل أو الوحدة أو العزلة والانطواء!
قبل كل التقنيات لم تكن الحياة مستحيلة.. وبالإرادةِ.. ما دمنا نريد أن نسعى لنحقق لمجتمعنا مستقبلا مشرقا بنا.. علينا أن نعلم أنه بدون الـ facebook ليست الحياة مستحيلة كذلك.. ولا يجادلنَّ أحد أننا إذا قاطعنا هذا الموقع سنتخلف عن ركب الحضارة والتقدم..
بئست الحضارة والتقدم التي تنهض على العري والكشف والفضيحة والزيف والخداع!

** ** **

وبعد هذا أجدني أنضم إلى الإعلامي السوري (أمجد طعمة) في هجر الموقع وإلغاء حسابي على الـ facebook .. مُشيدة بموقف بعض الدول في حجب هذا الموقع في منطقتها، ومودِّعةً كل الذين يعتقدون بأنهم فاعلون في المجتمع من خلال موقعٍ لا يعرفون شيئا عن غايات مؤسسيه..
وشكرا لك أمجد على هذه الخطوة السباقة.

...............................................