10 ديسمبر 2009

ورَقَةٌ جرفتها السيولُ الغاضبة!


لم أعد قادرةً على العيشِ في مدينةٍ لا تُمطِرُ السماءُ فيها كل يوم..
كل أزمنتها رطبةٌ دَبِقة..
وشتاؤها حزين, لا يجيء إلا بالموت!


* * *


لم أعد أريد أن أصحوَ لأنظر إلى السماء أولا.. خوفًا من شتاءٍ يحصُدُ أرواحًا جديدة!
صرنا نخافُ من أن تُمطِرَ.!
ونقلقُ حين تتراكم الغيومُ فوقَ رؤوسنا!
صرنا كائناتٍ لها عيونٌ مترقِّبة, ترنو إلى السماء..
لها قلوب غائرةٌ في مساحَةٍ مُعتِمَةٍ من الخشية!..
ويضجُّ في داخِلِنا صمتٌ طويل.. وسؤالٌ مزعِجٌ ينخُرُنا: (لماذا صارَ المطَرُ طقسًا للموتِ, بعد أن كانَ مُلهِمًا للحب, والرقص, والجنون!)


* * *


" أتعلمين أيَّ حُزن يبعثُ المطرْ
وكيف تنشُجُ المزاريبُ إذا انهمرْ
وكيف يشعرُ الوحيدُ فيه بالضياعْ
بلا انتهاءْ
كالدمِ المُراقِ
كالجياعْ
كالحبِّ, كالأطفالِ, كالموتى
هو المطر!"
لم أكن أفهم هذا المقطع جيدًا, كنت أتخيلُ كثيرا لأفهمه, لكنَّ واقِعًا متشِحًّا بالسوادِ جعلني أدرِكُ المعنى الذي يحوم السيابُ حوله!
صدقْتَ يا صديقي.. ليس في المطر فرحٌ ومَسَرَّة!


* * *


في ذلك الصباحِ الماطِر (يوم الكارثة), فرِحْتُ بالبرقِ يلتَمِعُ فوقَ أبنيَةٍ تشققتْ من الشمسِ والرطوبة, وحين أَرْعَدَتْ, وجدتُ مبررا لأقتربَ منه أكثر فأتدفأ بقلبه!
وفرِحَ بي..
وتطاولتْ فرحتنا بهذا الصباح حتى .....


* * *


يا إلهي.. كيف حدث كل ذلك الموت دفعة واحدة!
وقلبي الذي كان يؤمن بـ: (تهمي السماء فأنبعِث).!
أي كُفْرٍ نهشَه بعد انقضاء اللعنة!

* * *


أنا ما زلتُ أبكي..
أبكي.. وأمقتُ (جِدَّة) !


23 /12/ 1430هـ

25 سبتمبر 2009

شَـبَـحـِ ـيَّة

__________________________


الشبحُ هو كائنٌ يعيشُ في بلدٍ لا يُناسبه
وكلما حاوَلَ الائتناسَ بأحدٍ عجزوا عن فَهْمِ حقيقته
بدأ كائنًا بشريا طبيعيا جدا
ثم تحوَّل إلى شبَحٍ لا يُشبه البشر سوى في كونهِ يحمِلُ (الرغبةَ) في نفسه!

________________________


-1-


الرغبةُ
لولاها لما عاشَ مطرودًا من حيِّزِ الحياةِ, منطوِيا في حيِّزِ الكِتابَةِ!
منطوِيًا يبكي
ويشهق من الوحدة!
ولا يسمعه حتى الأشباح مثله!

-2-


تلك (الكتابة).. لا تعني شيئًا في زمنِ (الفضائيات)!
لأنها... عذريةٌ وتحتاجُ إلى إحساسٍ بِكْرٍ وخيالٍ خصبِ..
فقط كي تُصبحَ ذات معنى!

-3-


الأشباحُ جميعهم بؤساء..
هل فكرتَ يومًا ألا تخافَ منها..
إنها لا تؤذي..
إنها اختراعُ النفوسِ القاسية!
تلكَ التي تُمارِسُ الطردَ واللعنَ والجَلْدَ ببلادةٍ .
متى ما صادفتْ نَفْسًا ذات رهافَةٍ ورِقّة
كانت اللعنة..
وتشكَّلَ الفنانُ.. الرسام.. الشاعر..!

-4-


للتَّوِّ نظرتُ إلى المرآةِ.. ورأيتُ الخزانة التي من خلفي..
كانت جليةً وأنا لم أكن ظاهرةً في المرآة..
حركتُ يدي لألمسَ نفسي..
فاخترقتني ولم ألمس سوى الهواء..
ذُعِرتُ حقًّا!


-5-


في زمنِ الطفولَةِ..
شد الصبيانُ ضفيرتيَّ ..
كرهتُ شعري قبل أن أكره الصبيان!

حين قصصتُهُ.. صفعوا رقبتي.. ونعتوني بالصبي.!

لم يكن هناكَ حلٌّ سوى البكاء!

وأنا أبكي.. بدأتُ بالاختفاء ولم أعد أسمعُ صوتي..
فذعرتُ.. وعُدتُ للضحِك!

كلما بكيتُ اختفيتُ..
وكلما عدت للضحكِ. عدتُ إلى بشريتي..


-6-


وأنا إذ أكتب إليكم الآن ..
أكتب وأنا شبح!
لا أكتب للأشباحِ مثلي .. وإنما للشيطان.
كي – ربما- أشتمه!
لا.. بل
كي أنبذه!

____________________________


والشيطانُ هو كائنٌ يعيشُ في بلدٍ يريدُ أن يستولي على أشيائه
ويستعبِدَ أفرادَهُ.
يأتَنِسُ بصوتِ السوطِ الجَلاّدِ
بدأ كائنًا بشريا طبيعيا جدا
ولِسِرٍّ خفيٍّ تحولَ إلى (بَشَرِيٍّ) له رغبة واحدة طاغية:
أن يخشاهُ الكُلُّ.. كفرعون!
____________________________

21 يوليو 2009

وعكةُ السفر نحو (الوطن)!


لا شيءَ ببالي .. رغم كل الفوضى التي تحشو ذاكرتي ..!
بل أشياء كثيرة تومِضُ ومضًا, ثم تختفي..
دائمًا.. وكلما أنزلتُ الحقائبَ من فوق الخزانة.. يحدث معي هذا الدُّوارُ !


ثمَّ أشم رائحة ياسمين معتَّقَة, يأتي معها عبقُ شمسٍ تحاولُ الاشتعالَ فوق البلدِ..
وتارةً, أشمها وعمقُ الليلِ يغرِقُني فلا أتنفَّسُ غير الياسمين!

ثمَّ
أنظر
إلى
الحقائبِ..
وأمقتها!

عليَّ أن أعبأها بما أتوقعُ أنني سأحتاجُ إليه..
أنا لا أدرِكُ شيئا عن الغد..
لكنْ.. عَلَيَّ أن أمتلك نبوءةً مستحيلةً في تخيُّلِ تفاصيلِهِ!
نبوءةً تجعلني أنتقي من بين كلِّ الأشياء الأثيرةِ عندي.. ما قد يلبيني هناك..

وأسأم التنبؤ..
وتبقى الحقائب تنتظر..!


صوت موجٍ يومض في أذني وذاكرتي..
ربما أبتسم..
لكِنَّ اليمامَ / والصخرةَ العاليةَ قرب الشاطئ / والحصى الباردَ..
كلها.. تقلبني في موجةٍ من التنهد..
وأنسى ..
حتى لا أتمنى شيئا باتَ الاقتراب منه أشبه بالمستحيل..!


ما لا يكف عن الوخز في (عميقي) ,
تلاطُمُهم في مساحاتٍ من الهواءِ ضيقةٍ وجافَّةٍ.. ومــالحة.
تصيبني لطمةٌ.. فأُخْرى..
ليبرر لي شخصٌ قريبٌ أنهم لا يعنون بذلك شيئا سيئا..
فأبحث عن ثلجٍ أبتلعه لأطفئ كل شيءٍ تخلَّف في جوفي!!


ثم
تومضُ الوجوهُ القديمة والجديدة.. وتختفي..
تصدمني المرآةُ بي..
كبرتُ قليلا..
ألمحُ شيئا من التجاعيدِ في عينيَّ..
صِبغة الدمعِ هي السبب..
كل شيءٍ يمضي إلى الخلف.. وبعضٌ مني غائبٌ لا أجدهُ..
صورةٌ قديمةٌ لي فوق المرآةِ تشتتني..
..
صمتٌ..
خَرَسٌ..
عَبْرَة..
..
أتنفَسُ عميقا..
إنني أتوهم..
كل شيءٍ ما زال بخير..
ثم ..
أبتهج!


سأبصقُ حين نلتقي..
لكن هل أستدير إلى الخلف, أم إلى الأمام..
ربما أطأطئ قليلا..
أنحني..
أتوسَّدُ الإسفلتَ..
وأقبِّلُه!


عرَفتُ,
سأترك كل شيءٍ يستحِقُّ الشوق..
وآخذ ما أخشى النأيَ عنه..
وبينهما.. أغراضٌ لها معانيها الواحدة!



الثلاثاء 28 رجب 1430هـ

09 يوليو 2009

مُعذ ِّبِــي


.
.
هي الحُمَّى .
و ذاكرتي .
و أنتَ عظيمُ مسألتي .


هي الحُمَّى
تسافر في زوايا الروحِ تُسهدني
تُقيدني
تُعذبني
و تنفُثُ بعدها سمُـًّا ..


هي الحُمَّى .
و أنتَ بروحِكَ الحُسنى
تُذوِّبني
كسكُّرَةٍ .
و أُسمِعُ كِلْمتي
الصُّمَّا .


هي الحُمَّى .
و أنتَ بدايةُ الحُمَّى ..


أقمْ قُربي .
فأنتَ المسكنُ المسكونُ بالنعمى ..


و أنت دواءُ أزمنتي


أيا وطنًا
أرى الإشراقَ جبهتَهُ
و عطرَ الحبِّ منضمًّا ..


أيا شمسي .
سأترُكُ كلَّ أوطاني
و أنفي عندكَ الهمَّا ..


أجيءُ إليكَ مُكبرَةً ..
و أحمِلُ صخرةً شمًّا ..


مُعذَّبَة .
معذِّبة .
فآهٍٍ من لظى الحُمَّى ..
.
.

30-10-2005م

05 أبريل 2009

أنا سعيدة...
فقط لأنني وفي هذا الزمنِ الفقيرِ من الأشياء الجميلة.. أتعرَّفُ إلى شيءٍ جميلٍ حَقًّا!
شيءٍ باذِخِ الدَّهْشَةِ..
بل إنسانٍ عظيمِ الروحِ.. ونقيِّ الوجدان..
........

ما رأيكَ..حين تفتَح التلفاز والحاسوب والإذاعة والنافِذة إلى الشارعِ.. والبابَ إلى العالَمَ الخارجي.. وتكتَشِفَ أن الجميعَ صار معتادًا على الآثامِ حيث لمْ تَعُدْ الذنوب تُشَكِّلُ غُصَّةً في الداخِلُ ترهقهم عند النوم.!

لعبتُ في الأمسِ لعبةً خطيرةً معه في محادثةٍ إنترنتية.. كانت أن أسأله سؤالا دقيقاً يجيب عليه بصدقٍ .. ليأتي دوري ويسألني هو ..
- ما هو الشيءُ الذي تخافُ منه في حياتِكَ؟! ما الذي يُخيفُكَ كثيرًا ويشكل هاجِسًا لك؟!

كنتُ أفكِّرُ في مخاوِفِهِ.. وأتخيلها.. قد تكونُ متعلِّقَةً بمستقبله أوحاضره غير المستقر..
لكن جوابُهُ كان سريعًا سابِقًا لِكُلِّ تكهناتي.. وكأنه كان خائفًا في تلك اللحْظَةِ فعلا من هذا الشيءِ..

أتعلمون ماذا قال.؟!

.........

أن تَجِدَه قد كَبُرَ فجأةً ونضجَ كثيرًا.. أكثر مما كنتَ تتخيل..!
أن تسمَعَ منه دائمًا العِبارَةَ الأذكى والأعمقَ في التعبير والحياة!
أن تجِدَ نفسَكَ تستشيره في أدقِّ أمورِكَ (رغم أنه أصغر منك) وتشعر بارتياحٍ لما يقوله لكَ بعدها!
أن تشعر بأن الغربةَ وقتامَةَ الدنيا لَمْ تنجحانِ في زحزحتِهِ قِيد أُنملةٍ عما تربيتما عليه من قِيَمٍ وعقيدَةٍ وثوابِت..!
أن تجِدَ كثيرين في المقابِلِ قَدْ جرفَتْهم الدنيا إلى أحضانِ الشبابِ الساخر الذي لا يتذكَّرُ الله إلا قليلا.. وفي أوقات نادرة!
أن تُصَدِّقَ أن الأحوالَ حين تأخُذُ من جوارِكَ أحدًا.. فإنها تزيدُهُ قرباً منكَ ومن الله!
أن تدرِكَ أن الفسادَ يمكِنُ أن يكونَ مُقزِّزًا حين يضعُ المرء في حُسبانِهِ :(( الله معي ما دمتُ معه.. وأنا لن أتركه)) كما قال لي ذات مرة!


فَكل هذا الجمالِ الذي أدرَكْتُهُ منكَ.. جعلني أشعر بالسعادَةِ لأجلِكَ.. وأسأل الله أن يزيدكَ تقوًى وخشية وجمالا.. ويمنحك السعادَةَ ولَذَّةَ ما تُحِسُّ من إيمان..

......

أظنُّ أنني لن أنسى ما حييتُ ذلك الذي تخافُ منه.. لأنني حين سمعتُ جوابَكَ شعرتُ بصدقٍ لم أَجِد مثله قبل ذلك أبدًا..
حينَ أجبتني: " واللهِ لا أخاف شيئًا سوى الله .. ألا يكون راضيا عني".!

......

قد تتساءلون..
ما سِرُّ هذا الثناء..
أنا لا أزكي على الله أحدا..
لكن حين يكون الفساد قد ملأ البر والبحر وما بينهما..
وشاعت الفتنة ..
وصارت المصيبةُ في الدين والشباب !

يكون حريا بي.. أن أظهر سعادتي به... علَّ الله يمنحكم سعادةً شبيهةً بسعادتي.. ويشيعَ الجمالُ في الأرضِ..

الحمد لله..

16 مارس 2009

كنْ وَهْمـًا إذن..!


أيها الوطَنُ المُحاصَرُ بالنباح..
لمْ أحبكَ بعدُ حتى أتوقف عن الغربة!
فافعل شيئًا إن كنتَ تتمنى عودتي.

لِـمَ لا تُصبحُ - مثلا- فاضلاً ؛كمدينةٍ لا شيءَ فيها يبعثُ على البكاء!! ..
أو أن تصبِحَ كائناتُكَ المائعَةُ المتلوِّنةُ في حالةٍ واحِدَةٍ من البشاشةِ.. حتى وهي تقفُ صباحًا في طابورٍ طويلٍ أمام الفرن!
أو أن تعوضني عما فاتَ من عمري.. ذلك الذي لمْ أقْضِهِ في دروبِكَ أنتَ.! وتملأ الفراغَ الصَّعبَ الذي في داخلي..!
فراغٌ لَمْ يُعبَّأ بأصواتٍ تتآلفُ مع صوتي, لا تُشعِرني بقرصةِ الغُربَةِ في وضحِ الصيف!
فراغٌ لَمْ تُلَوِّنْهُ خُضرَةُ زَرْعِكَ, وبياض سيقانِ أشجارِكَ, وزرقَةُ سمائك.. بل.. لَمْ تلوِّنه ضحكةٌ شاهِقَةٌ أمام سَفحٍ مَكْسِيٍّ بالثلْجِ باذخِ الشتاء.. !!
كان عليكَ أن تُذيقني بَرْدَكَ وشتاءَكَ.. وطفولتي معكَ ومعهما.. !
كان عليكَ أن تُفْهَمني معنى (الشارع).. فأنا لا أعرفُ عنه سوى كونه مكانًا لا يمكنني السيرُ فيه منفرِدَةً ما دامَ خاليا و ساحِقَ الرهبَةِ.. حدَّ أنني كنتُ أخشى أن أصادِفَ شبَحًا لو أطلتُ المكوثَ فيهِ!
كان عليكَ أن تُخبئ لي مُرَبَّعا صغيرا في شارِعٍ طويلٍ بين الأحياءِ.. ألعبُ فيه وأكتب بالحَكَكِ اسمَ مدرستي.. أو أرسُم ضحكةً لَمْ تتسِع لها طفولتي.. فخرجَتْ إليكَ كي تعيشَ أكثر!

هل أطْلُبُ الكثير.. وأنتَ لم تمنحني سوى القليلِ..!

حسنا.. لن تفعَلَ.!

إذن .. لمَ لا تدعني آناءَ الصيفِ.. حين أكونُ على أرضِكَ..


لِمَ لا تدعُنِي أتوهَّم أنكَ وطني!


16-3-2009م

23 فبراير 2009

- مَسُّ اليمامة -



-1-
أسميتُها (يمامة)..

حدث هذا قبل أن أفهم الدنيا .

أقصِدُ: حين كنتُ أتمكَّنُ من اللعبِ .

أقصِدُ: حينما كنتُ أشعر بالطمأنينة إذا ما احتضنتُ (يمامة) تحت اللحافِ قبل النوم !


-2-
يمامةُ..

هي الدُّمية الوحيدة التي ربيتُها حين كنتُ طِفلة!

فوالدي لا يحب كثرة الألعاب في بيتنا..


-3-
كنتُ لا أعرفُ شيئا عن اليمام..

فأنا لا أهتم بالطيور..

وإن كنت أحبها..

فلأنها تعني لي : (الحرية)!


-4-
لا أدري ما الذي حدث لـ يمامة..

لكنني أتذكر أنني تخلصتُ منها لِخرافةٍ تقول:

إن الأرواحَ الشريرة تسكن الألعاب ليلا

فتحرِّكها .. وتسيِّرها.. لتقتلنا ونحن نيام!


-5-
ومضت عشرون سنة بعدها..

لوهلةٍ .. وقبل ساعة واحدة من الفجر..

أصبح كل شيءٍ خارجي رهيبا..

كان الصمتُ يغلِّفُ الأشياء..

بينما تتمنى الأشياءُ أن ترتطمَ بأي شيءٍ لتكسر وحشة الليل!

كل شيءٍ خارجي أصابني بالذعر..

والعالم خارج الحجرة متوغل في الظلام والصمت

متوغل في الرهبة..

ويبدو أنه ينتظر أن أفتح الباب له

ليفترسني!


-6-
وجاءني في منامي هديلُها الحزينْ..

تئنُّ في عشها..

وتسألني.. أن أقترِبَ منها..

لكنني خِفتُ .. فابتعدتُ !

غضبَتْ.. فطارتْ تلاحقني..

وتئنُّ فوق رأسي..

وتنقره..

حتى وقفتُ..

فمسَّتني.. وصحوت!


-7-
فعرفتُ حينها..

ما السر في كوني..

رماديةً

برِّيَّةً

لا أقبلُ التَّدْجين!

19 فبراير 2009

اعترافات سرية

-1-


..
سأعترف.. أنا بحاجةٍ لطبيبٍ نفسي..
ولهذا سأتخيله..!
" صحوتُ أيها الطبيبُ هذا الصباحِ لأكتشف أنني نمتُ بعمقٍ شديد.. لدرجةِ أنني لا أتذكر شيئًا مما حدثَ البارحة, هذا حين فتحتُ عيني.. لكنني وبعد ثانيةٍ من التفتُّحِ, تذكرتُ كل شيءٍ دفعةً واحدة, مثل خزانةٍ طويلةٍ محشوةٍ بالأغراض تفتحها بسرعةٍ فتنهالُ عليكَ كومةٌ لا تدري كيفَ كانتَ داخل الخزانةِ وهي مغلقة, فتتألمُ ولا تدرك أي الأشياء بالضبط من بينها هو الذي أصابَ رأسكَ..
أعيد إغماضَ عيني.. حسنا إنه الواقع نفسه الذي تركته قبل أن أنام.. لماذا يلاحقني إلى هذا اليوم, يبدو أن الأزقةَ لم تكنْ مُضَيِّعَةً حين كنتُ نائمة, ربما لم تكن لدي ساقان سريعتان للجري لأبتعد عنه في النوم, وربما أنني لم أنم أصلا!"
ثمة أمر آخر أيها الطبيب, فأنا مذ صحوتُ والجزء السفلي من وجهي -مما هو تحت أنفي- لا يعمل..حاولتُ مرارا أن أتكلم أو أبتسم أو أطلق صفارةً شفوية ؛ لكن دون جدوى.. كُلُّ شيءٍ كان يعمل جيدا فيَّ وخصوصًا الذاكرة, إلا أنني لم أستطيع حتى تناول القهوةِ!
من الذي صنعَ لي القهوة؟!
لا.. لا تتفاءل أيها الطبيب, إنه فنجانٌ من البارحةِ لم أرتشفه وجدته على المنضدةِ جامدًا باردًا نائمًا هو الآخر, حاولتُ أن أنقذه من عرائهِ وغربته ووحدته.. لكنني فشلت..!
نعم ( الفشل ) هذه المفردةُ كانت صلبةً بما يكفي لأن تصيبني برأسي, لعلها أول ما سقط من الخزانة, وربما آخر الأشياء .. أو أن الأشياء كانت مربوطة بها وحين فتحتُ الخزانة جرتْها الأشياءُ لتسقُطَ في النهايةِ على أم رأسي.. وأشعر بالدوار!
لا عليكَ أيها الطبيب, هكذا هم المرضى النفسيون, يتحدثون بأشياء غير مفهومة, لكنها تحدث.. صدقني إنها تحدث في داخلِ كل واحِدٍ منا.. تشعر بها وكأنها تنخر تفاحَةَ روحِكَ في صمتٍ رهيب.. تستطيعُ تحديد مكانِها , لكنك لا تصل إلى داخلك لتقتلعها وترميها أمامك وتدوسها بحذائكَ.. فهل تستطيعُ أنت أن تفعل هذا يا دكتور!
ماذا.. أنا من عليَّ اقتلاعها..!
(لا والله كِمْلِتْ) , إذن ما دورُكَ أنت؟!
ثم إنني أخبرتُكَ للتو, أنا عاجز عن الوصول إليها!
ماذا (أنساها..!!) ..
نعم, كل الأشياء التي لا تجد لها حلا, وعليك أن تتعايش معها بطريقةٍ أو بأخرى, وهي أشياء لا تعجبك.. ليس ثمة حل سوى أن تنساها.!!
إذن لماذا تفتح هذه العيادَةَ وتتقاضى هذا المال, ما دمتَ في النهايةِ لن تُحَسِّنَ لي مزاجي, ولن تمسحَ البقعَ السوداء من رأسي, ولن...ولن ...ولن...!!
اسمعْ أيها الطبيبُ: لديك حل من حلين: إما أن تعترف بأنكَ تاجرٌ يبيعَ الوهمَ لمرضاه, فيتكسب هو ويبقون هم على حالهم.. وإما أن تُبادِلَني المكانَ, وتُخبرني أنت كيف تشعر حين تستيقظ على واقعٍ لا يعجبك!".!

أنثى الجدار في الأسواق
































الآن في الأسواق
إصدار دار وجوه - الرياض
ت: 4918198
أنثى الجدار - نصوص قصيرة

17 فبراير 2009


... غُمَّيضةٌ...



توطئة:
كل شيءٍ صار لُغزًا علينا أن نَحُلَّه.. الخطاب, والصمت, والجريمة... حتى الاعترافُ لم يعد واضحا!!
إنها الغُمَّيضة...!!


* * *

عُصِبت عيوننا, وأظلمتِ الدنيا !!
صرنا نتصادمُ ونرتطم ببعضنا البعض
أذرعنا ممدودة للأمام تتلمَّسُ الأشياء
رؤوسنا مرفوعَةٌ تتلصَّصُ على حواسِّنا المُغَلَّفَةِ بالشتائم!
نتحرَّكُ ولا نتجه نحو شيء..
كل شيءٍ لم يعد واضحا..

لكنهم يُبصرون بدلا عنا..
يقولون : سيروا .. إلى (...) !!

* * *

الهاوية.
والغد
وتلك العُصابة السوداء
أيديهم الخَشنة
الشتائمُ التي تنالُ من كل شيء مهما كان طاهرًا
حواسُّنا المرتعشة في أقصانا
كُلّ ٌذلك كان (...) عنه مسؤولا!!

* * *

الوطنُ .
لا أقصدُ أن أسيء إليه
وما الذي يدعو مخلوقا مثلي أن يفعل هذه الخطيئة معه..!
أنا أحبه لأنه يحبـ(...)ـني!
يوفر لي مكانا أتنفَّسُ فيه فوق الأرضِ
دونَ أن أعاني بُعْده
دون أن أتعلم الشعر
لأتغزلَ فيه!!

* * *

س..
و
ف
أنبذُ صوتي
و كُلُّ ذلك الصرير الذي يصدر من جمجمتي
لن يصل إلى حنجرتي
وإن فتشوا حُجرتي
فلن يجدوا سوى
صر(...)ة من الشعرِ الذي لا يبالون به!..

* * *

خ
ل
ف
الشمسِ
لا يوجد سوى فضاءٍ فارغٍ من كلِّ شيءٍ
فضاءٍ لا نحلم به
لأنه؛ لا يمكننا أن ننظر إلى الشمس..!!
و حين نجرؤ
ندمعُ.. ونطأطئ
يراودنا لونُ العُصابَةِ..
تظلم الدنيا !!
نتصادمُ ونرتطم ببعضنا البعض
تمتد أذرعنا للأمام تتلمَّسُ الأشياء
نتحرَّكُ ولا نتجه نحو شيء
كل شيءٍ لا يعود واضحا
.
لا نعود فنحلم سوى بالعافية!!
.



9/11/2008م

16 فبراير 2009

اكتُبي يا ابنتي ...

..
"اكتبي يا ابنتي .. تألَّمي هناكَ في ذلك الوَطَنِ الذي هاجَرْتِ إليه يومَ ضاقتْ الجهات.. "
قالتها .. فدَمعتُ !!
تمامًا أذكُرُ ذلك النفي إلى العالَمِ المسحوقِ خلفَ الجدرانِ , تحتَ سِنِّ القَلَمِ .. على شفا الورَقِ اليابِسِ كأوراقِ الخريف .. العالَمِ الغريقِ في مِحبَرةٍ سوداءَ .. برائحَةِ الطِّينِ !!
نعم .. الطين ..
أنا لا أَشُمُّ في الأوراقِ القديمةِ و المحابِرِ سوى رائحَةِ إنسانٍ يتخلَّقُ .. رائِحَةِ طينٍ مبلَّلٍ .. رائِحَةِ انسحاب .. رائِحَةِ نكوص !!
رائِحَةِ كائناتٍ صفراءَ .. تتداوى و لا تُشْفى !!
أذكر تمامًا حين ضاقت الأرواحُ أن تهمِسَ في روحي بِكَلِمَةٍ طيبَةٍ تستبقيني بعيدًا عن القَلَمِ .. ضاقت .. فشقَقْتُ في العَتْمَةٍ خُنًّا و أويتُ إلى رَبِّي .. !!
لماذا ظننتُ لِوَهْلَةٍ أن ثمةَ أوطانًا لنا في أرواحِ البَشَرِ .. لماذا توَهَّمْتُ أن الإنسانَ ينزع من داخِلِهِ أحشاءهُ ليتَّسِعَ المكانُ لغيرِهِ .. لماذا أمارِسُ الظنَّ في زَمَنٍ لا تنتَصِرُ فيه الأوهامُ إلا في ميادينِ السُّذَّجِ و المُغفلين !!
كنتُ أحاوِلُ أن أصبِحَ غبيَّةً .. مُغفَّلَةً .. شيئًا يتنفَّسُ فقط .. يضحَكُ عندَ أهونِ سببٍ .. و يتبلَّدُ أمام شحاذٍّ رَثِّ الثيابِ أشهب اللحيةِ معفَّرٍ بالفقر .. منكوبٍ بالجوعِ .. مسلوبِ العافيةِ .. و لا يُريدُ أن يسأل الناسَ إلحافًا لينجو إلى الحياة !!
قالتْ لي و قَدْ سدَّتْ حواسَّها نزعَةُ الغباء : " كيفَ تعيشين بدون سيارة .. كيف تستطيعين الحياة .. لا يوجد أحد في هذه المدينة من غير سيارة .. أ أنتِ مجنونة !! "
كانت تدعوني للموتِ .. فقط لأنه تنقصني وسيلة رفاهيةٍ لازمة !!
ليس غريبًا .. فالتبلد سِمَةٌ يجبُ أن تكونَ موجودَةً بيننا و بكثرةٍ أيضًا .. و إلا سنعيشُ في عالَمٍ ناقص !!
أنا أُقَدِّرُ جدا هذه المرأةِ إلى درجَةٍ ستجعلني أختارُ أيَّ زُقاقٍ في المَدْرَسَةِ لا أصادِفها فيه .. لأنني بصراحَةٍ أكرَهُ أن أبتَسِمَ في وجوهٍ لا تملِكُ حاسَّةَ الإنسان !!
" اكتبي يا ابنتي " ...
لماذا كُلَّما تذكرتُ نبرَةَ الصوتِ أسْدَلْتُ ضيقي في دمعةٍ بلا لون !!
أ هذا يعني أنني سأعودُ إلى الخُنِّ و الصَّمْتِ و البُكاءِ في كفين باردتين !!


8- 11 -2006م
ذلك الفرق الذي يجعلُكَ (بطلاً) ويجعلني (صِفْرًا)


بقعَةُ ضوءٍ:
في الثامن والعشرين من شهرِ نوفمبر الفائت, قَبْلَ أن يحتفلوا ببدايةِ سَنَةٍ جَدِيدَةٍ, تصافَحَ أولمرت وعباس وبوش على بساطٍ أحمر في واشنطن يكذبون على الناسِ كِذبتَهم القديمة بأن يجدوا حلاًّ قبل عام الألفين وثمانية لكل الأراضي المُحْتَلَّة في فلسطين وسوريا.. وشَهِدَ على ذلك كل من كان في بلاط الخوف والخذلان ... ساسَةُ العرب الأمجاد!!



* * *


" هاتِ دَمْعَكَ كَي أُذيبَهُ كالسُّكَرِ المُرِّ, أو كالمِلْحِ الأجاجِ في كؤوسٍ تَشِفُّ عن لونِ الخَمْرِ.. أضَعُها على طاولاتِهِم.. يعتقِدونها خَمْرًا؛ فإذا ما شربوا أصابَهُم الفواق!!
ليس لِدَمعي أيُّ مفعولٍ معهم.. فأنا مُجَرَّدُ شَخْصٍ أقَعُ على خارِطَةِ الضِّيقِ في زمنِ الخيبةِ وبُقْعَةِ الهوانِ!!
كأس الشاي أمامي تتصاعد منه أبخرةُ الحرارةِ..
كُلُّ شيءٍ حولي هامِدٌ خامدٌ لا يهزُّه شيءٍ؛ الجدرانُ بطلائها الجميلِ, والأضواء الخافتة الملونة.. الأثاث برائحته الخاصَّةِ لَمْ تُعَفِّرْهُ السنون بغبارها بعد.
كُلُّ شيءٍ أنيقٌ ونظيف.. وأنا أعيشُ هنا.. ولذلك دموعي سرابٌ لا يُذابُ كما دموعُكَ أنت!

أنا أشتري الزيتون من متجر الحيِّ مُتَبَّلاً ومحشوًّا وبدونِ نوى..!
أما أنتَ فتقْطِفه من شجَرِ أرضِكَ مُرّا وقاسيًا وأخضرَ كالحُلُمِ الذي مضى عليه أكثر من خمسين سنة ولَمْ يَغْزُهُ اليأسُ برغْمِ الشيبِ الذي غزا رؤوسَكُم!!

أنا أعتَسِفُ اللغَةَ اعتسافًا لأكتُبَ قصيدةً جوفاء لا حربَ فيها.. لا حِصارَ.. لا خوفَ..
القَلَمُ مبرِيٌّ والورَقُ كثيرٌ والساعَةُ تعمَلُ برتابَةٍ مُعلَّقَةً على الجدارِ قربَ لوحاتٍ زيتيةٍ باهِظَةِ الأُطُرِ وثقيلةِ الأوزان!
بينما تُشْهِرُ (مُوسَكَ) الحادَ لتَجْتَرِحَ صرخاتِكَ على جُدرانِ المنازِلِ المُطِلَّةِ على شوارِعِ غَزَّةَ المنكوبة..تنحَتُ حُرْقَتَكَ في وجهها الطِّينيِّ شِعْرًا يبكي, وقوافيَ من جوفِكَ تأتي.. تصدَحُ بالآه.. ترتَجُّ يدُكَ على وجهها الحجريِّ الجامِدِ لتوقِّعَ صرخَتَكَ لوحةً من دونِ إطارٍ.. لا تُباعُ أو تُشترى.. ولا تعني شيئًا لأحد!!

ليس الفرقُ بيننا فقر وغنًى, جوعٌ أو شبع.. بل هو الفرقُ الذي بين الحقيقةِ والتخيُّلِ, فأنت تعيشُ في حقيقة صعبَةٍ, وأنا أتخيلُ كم هي صعبةً!!
لكن.. لو كنتُ مكانك لكنتُ أنتَ, ولو كنتَ مكاني لما استطعتَ أن تكونَ غيرَ ما أنا عليهِ الآن!!

دموعُكَ أنتَ هي الثمرة الوحيدة التي تصنعُ عصيرَ الفواق لهم.. أما دموعي فليست أكثر من كذبٍ أمارِسُهُ كي لا أكون بليدةً أمام محنتِكَ!!

لا تَلُمْني أيها البَطَلُ..
إنها مشيئةٌ رتَّـبَتْنا على هذا النحوِ؛ تمامًا كما رتَّبَتْكُمْ شَعْبًا يَملِكُ الكثير لِيفقِدَهُ, ورَتَّبَتْ الحكومات حكوماتٍ تملِكُ الكُرْسِيَّ فقط .. هذا الكرسي الذي يصعُبُ أن تفقِدَهُ..!!
ألا ترى مكان البيدَقِ في الرُّقْعَةِ هو مكانُهُ فيها.. ومكان الشاهِ من خلفِهِ هو مكانُهُ.. واللُّعْبَةُ أن يموتَ المَلِكُ في النهايةِ.. وهذا لا يحصُلُ حتى تخلوَ الرقعَةُ من كُلِّ الأحجارِ..! هذه هي اللعبة..
الشعوبُ تَضْرَسُ.. تُبادُ وتُقْتَلُ.. والناسُ تُصبِحُ مُجَرَّد أرقامٍ في لوائح سوداء طويلة ونشرات أخبار باردةٍ.. تُلقى على مسامِعَ مفقوءة..
لا قيمةَ لِكُلِّ ما يحدُثُ.. الغايَةُ هي الرؤوسُ.. الرؤوس التي لا يصلِها سوى برقيات التعزيةِ المنمَّقَة!

هاتِ دمعَكَ كي أذيبَهُ في تلك الكؤوسِ.. إنه سُمٌّ يوقِظُ من الموتِ الذي يسكنونه.. واعذرني كثيرًا لأنني سأتسوَّلُ منكَ ما يهبهم الإحساسَ بكَ..
اعذرني كثيرًا أيها البطلُ... أرجوكَ.
..
فَتْقٌ أتَحَسَّسُهُ لِلتَّو


أحتاجُ للتفاؤل.. الذي هو عكس التشاؤم..
التشاوم.. الذي هو نابع من الخوف..
والخوف.. الذي يغزونا من الواقع الصعب..!!
..
مهما تخيلنا الواقع فلن ندركه ..
وأنا الآن أحس به نتوءًا يغزُّ إدراكي من الداخل فيُحْدِث فتقًا صغيرا فيه..
يجعلني أنتبه للتو لمعنى التفاؤل..
وأدرك أنه رياضة صعبةٌ جدا..
فأنت بحاجةٍ أن تُصدِّقَ وجودَ الفرحِ وأنت تبحث عنه..
لا أن تبحث عنه وأنت تشك في وجوده؟!
.
.
أحتاج لهذا بالضبط..
.

* * *

حين شعرتُ بالضيق.. فكرتُ بالكتابَةِ ..
لكنني تذكرت أن الآخرين غير معنيين بما يضايقني..
كل ما قد أكتبه عني ويخصني ليس أكثر من فقاعاتِ صابونٍ ستتلاشى بمجرد أن تقفَ على حِسِّهِم..!
ليس لأنهم أشخاص لهم أسطح خشنة..
بل لأن كل ما يخصنا ليس أكثر من فقاعةٍ فارغة..
ما يعيشُ من لغتنا, هو ما يلامِسُ أوجاعَ العابرين بها..
أما نحن .. فدائمًا إلى مغيب!
.
.

* * *

لن أكتب إذن حجمَ الدمعِ الذي يتكوَّرُ في قلبي..
والذي يكبرُ في حنجرتي ويتكسر داخل صوتي..
فقط
حين أجدُ شمعتي الصغيرة في مهبِّ الهواء..
ما بين توهجٍ وشبه انطفاء..
أحاول أن أداريَها ..
وأفعلُ..
وأخشى ألا أفعل..
أو أقدِرْ..

فيا الله.. بقدرتِكَ حوِّطْها بحِفْظِكَ ..
وزدني إيمانا.
.

19 – 12 – 1429هـ
نُشرت في مجلة حياة للفتيات كسلسلة

-1-


حين نظرتُ إلى دفتر مذكراتي, قفزت في ذهني فكرة جميلة.. رأيتُ أن أبدأ بها من هنا, حيثُ تُشاركنني في تطويرها, وإغناء (فن كتابة المذكرات) الذي سنعثر سويا على ملامحه.

ما زلتُ في العشرينات من العمر, لكنني أملك خمس دفاتر من التاريخِ الذي لا يهم أحدًا.. لستُ كلينتون أو هيلاري حتى أنشرها ذات يومٍ.. ما عشته لا يهم أحدًا.. وليس فيه أية حروب أو اتفاقيات, وبمعنى أكثر وضوحًا.. لستُ من جوقة السياسيين أو العسكريين, إنني مجرد إنسانة تعيشُ في هذا العالم, تَصُبُّ أفكارها كلما احتاجت في إناءِ الكلمات.. ربما أتحدث مع أحدٍ ما.. لم أتعرف عليه بعد, أو ربما أتحدث مع نفسي.. أو ربما أخفي رسالة ما لأحدٍ أثق أنه سيقرأ خلسة ما كتبتُ في دفتري..
لا أحاول إخفاء هذا الدفتر بعيدا عن الأنظار, إلا حينما أريدُ لفت الأنظار إليه؛ ربما لأنني كتبت به ما أود قوله لأحدٍ ما.. وعليَّ أن أزرع في ذلك الأحد فضولا يسوقه للبحث عن الدفتر, والإنصاتِ مُجبرًا لي.. لأنه في الأحوال العادية يضجر مما أصبه مباشرة في أذنيه.. أو يمل من أفكاري فيتركني قبل أن أنهي حديثي معه...
لدي الكثير من الأسباب التي تجعلني أختلِقُ هذا المكانَ الوهمي وأعيش فيه (دفتر المذكرات) .. أشاركني وأتسامر معي.. أضمني إلي إذا احتجتُ, وأعاقبني إذا احتجت أيضًا...
بحثتُ عن أحدٍ اعتنى بهذا الفن ودرسه من حيث كونه فنا أدبيا إبداعيا, لم أجد حتى الآن من فعل ذلك.. إنهم يعتنون بفن السيرة الذاتية.. ونحن نعلم أن السيرة الذاتية طريقة لجمع المذكرات في كتاب, أو تذكر الأحداث وكتابتها مسترسلة في كتاب, أما ما أقصده أنا فهو تلك المذكرات التي نلجأ لكتابتها لأنفسنا في دفترٍ خاص, كيف نكتب عنا.. هل نطرح ما نريدُ كما هو دون أي تمويه أو قصٍّ.. هل نشعر غالبا بأننا على حقٍّ حين نكتب, أم أننا نشعر بالذنب أحيانًا / غالبا.. لا أدري هل نختلف في رغباتنا التي تدفعنا لمصادقة هذا الدفتر..
ما أتحدث عنه.. هو فنُّ كتابة المذكرات, وليس مجرد كتابتها على حالها الذي نعيشه في واقعنا.. أي: كيف نكتبها دون أن تكونَ مجردَ توثيقٍ للأحداث...
بودي أيضًا أن أثير نقطة أخرى لنفكر فيها معا: أيمكن أن يعيش شخص ما في هذه الدنيا من دون أن يكتب عن نفسه خلسة, هل يتحمل الإنسان ألا يتحدث مطلقا عن شيءٍ يحصل معه أو يحسه؟ .. أم أن البشر يكتفون بالأصدقاء, وكأنهم يكتبون في دفاتر مفتوحة مفضوحة..!
الحقيقة أنني قمت بطرح بعض الأسئلة على كثير من قراء (حياة) وخرجت ببعض النتائج الصغيرة التي أعترف بأنني فوجئت بها.. والتي ستقرؤنها في العدد القادم إن شاء الله... تابعوني ..
وتذكروا أن الأسئلة أكثر أهمية من الأجوبة أحيانا.. وهاتوا ما يجول في خاطركم..


محبتي
-2-

مرحبا بكم مجددا.. الحقيقةُ أنني أربط كثيرا بين دفتر اليوميات وبين موضوع الصداقة, وأجد أن من يختار الكتابَةَ كنوع للتنفيس عن النفس, إنما هو شخص لا يملكُ صديقا يفضي إليه, فإن مَلَكَه فإنما هو لا يثق به مُطلقًا.. فإن وثق في أمورٍ فإنما هناك أمور لا يمكن أن يستأمن أحدًا عليها مهما عظمتْ مكانته عنده... وباختصار إن الكتابةَ هي طريقةٌ للتصالح مع الذات, للوصول إلى تلك الخلايا البعيدة فينا..للتعرف على أفكارنا وآلامنا بوضوح.. لفكفكتِها وإعادةِ تركيبِ أنفسنا.. ولهذا فإننا حين نفشلُ في إيجادِ صديقٍ يقوم بهذا الدور الميكانيكي لذواتنا.. فإننا نختارُ أن نحك جلدنا بأظافرنا في (كتابةٍ كشكولية).. ربما ننفعِلُ معها.. نهتز بكاءً ونحن نكتب, أو نحنقُ على القلمِ فنضغط عليه.. يتغير خطنا.. تنجرح الورقةُ من غضبنا.. لكننا نشعر بعدها بأن أحدًا ما قد خرجَ منا, إنه ذاتٌ أخرى تشكلتْ فينا بحسب الموقف, اعتقدنا لوهلة أنها هي ذاتنا.. لكنها حالةٌ فينا.. سِرْنا إليها خطوةً بالكتابَةِ.. فاندلقت من داخلنا على ورقةٍ وفُضَّ كل شيءٍ بخير...
ببساطة.. حين تكون من ضمن الذين يكتبون ما في داخلهم في دفترٍ خاص, فإنك لا شك واحد من الذين لا يثقون بشخص معين تلك الثقة التي تجعلهم يستغنون به عن كتابة ما في داخلهم..!!.. وأقصد بالثقة كُلُّ ما يهبُك الشعور بالارتياح بعد الثرثرة معه.. إذ ثمة أصدقاء تندَمُ أنكَ أخبرتهم بكل شيء.. هؤلاء بالضبط ليسوا سوى أشخاصٍ يملؤون فراغ الصداقةِ بالفراغ لا أكثر..
أعلم أن لدى البعض أصدقاء حقيقيين, فلقد طرحت سؤالا على بعض فتيات المجلة وحصلت على أن ثمانين بالمئة تقريبا لديه أصدقاء يتحدثون معهم عن أكثر الأمور خصوصية, لكن واحدا وأربعين من هؤلاء يملك أكثر من صديق واحد, وهذا ما أثار تعجبي.. وجعلني أتساءل طويلا ما حاجة أحدنا إلى صديق آخر ما دام يملك صديقا مقربا.. ألا ترون أن تعدد الأصدقاء دليل على قلة ثقة بالصديق الواحد!!
في حين وجد عشرون بالمئة منهم أنفسهم بدون أصدقاء ألبتة, واعترفوا أنهم يلجأون إلى الكتابة كوسيلة للتنفيس, مناجاة الله, و مناجاة النفس, أو التحدث مع المرآة!!
بصراحة لدي الكثير من النقاط التي سأثيرها حول موضوع كتابة المذكرات.. والتي أحتاج إليكم في نقاشها ودراستها, تابعوني وأرسلوا ما تريدون قوله على البريد الإلكتروني.. ودعونا نستمتع مع دفتر يوميات..


محبتي

15 فبراير 2009

.. عيدٌ يُشبِهُ ... شيئا ما !! ..


هذا العيد .. يختلف كثيرا و جِدًّا عن أعيادِ ( زمان ) .. !!
يُشْبِهُ النومَ على وسادةٍ غريبة .. حيثُ يتلَبَّسُكَ إحساسٌ بالشوقِ لوسادَتِكَ .. و سريرِك .. و ربما حُلُمٍ كنتَ تكوِّرُهُ كُلَّ ليلةٍ قُرْبَ صَدْرِكَ .. تحتَضِنُهُ في مخيلتكَ .. و تغفو ساهيا عنه !

عيدُ هذا العيدِ .. لا يُذّكِّرُني سوى بنكهةِ فاكهةِ الـ ( كاكا = المانجو الحمراء ) .. و التي لمْ أفْهَمْ كيفَ يتلذذون بها ؟! تماما بذلك القَدْرِ الذي أعتَقِدُ و أؤمن بأنَّ ثمة لذةً ما فيها غائبة عني .. و السبب أنني لَمْ أعتَدْها بعد !!

عيدُ هذا العيدِ .. برغمِ أنه لمْ يبدأ بعد .. يُثير حفيظتي .. و يحقِنُ عينيَّ بالمِلْحِ .. أو بالسُّكَّرِ .. فأنا لم أتذوق دمعيَ بعدُ !!

عيدُ هذا العيدِ خاوٍ .. يَزُجُّ في النَّفْسِ إحساسًا بالفَقْدِ ..
المكان و الزمان و الناس .. جميعهم تبدلوا إلى آخرين .. و كأنَّني شهدتُ ولادةً في عالَمٍ آخرَ .. لا هو بقادرٍ أن يُقنعني بجماليته .. و لا أنا بقادِرة فيه عن التخلي عن أغراضِ الحياةِ الماضية .. كُلُّ شيءٍ باقٍ في مستودَعِ الذاكرةِ .. ينبِضُ كروحٍ لمْ ترتفِعْ بعدُ إلى السَّماءِ .. ينبِضُ لأنه حيٌّ .. فأينَ أذهبُ بِكُلِّ تلكَ الأرواحِ التي تسكنني ؟!

عيدُ هذا العيدِ ...
في مدينةٍ جديدة .. أشعُرُ فيها بالغربة ..
يُتعِبُني ألا أعرِفَ أسماء الشوارِعِ و أنا أسيرُ فيها ..
يُتعِبُني ألا أجِدَ شارِعًا واحِدًا شبيهًا بأحَدِ شوارِعِ مدينتي القديمة !!
يُتعِبُني أنني أُضطرُّ إلى ارتداءِ حياةٍ جديدةٍ .. دونَ أن أحتَفِظَ بردائي القديمِ للعودةِ إليه بعد انتهاءِ العيد !!

عيدُ هذا العيدِ ..جديد ..
و أنا أهيمُ بالقديمِ من الأشياءِ ..
أنا امرأةٌ من ذاكرة .. و كُلُّ ما لا ينتمي إليَّ و إليها .. ألوكُهُ كقطعَةِ ( قاتٍ ) مُرَّة !!

عيدُ هذا العيدِ .. مُختَلِفُ .. تبعتني ألوانُهُ إلى الكُتُبِ .. فما قرأتُ شيئًا أقنعني .. اصطدمتُ بكتابين .. و عبارتين .. أغلقتُ بعدهما حظي و أكملتُ احتفالاتي .. و خلدتُ لتفاصيلِ أعيادِ ( زمان ) !!

كانت العبارَةُ الأولى :
" قائدي يقودني من الداخل " ...
و كاتبها شخصٌ أجنبي أي غربي .. و ليس أجنبيا عربيا كما يُطلِقُون علينا بينهم !!
السرُّ فيها أنه يَعْتَقِدُ بأنَّهُ يقودُ نفسه .. مع أنَّ في داخله أكثر من نفسه .. فثمة ضمير و هوى و شيطان .. و لذلك كان بودي أن يُحَدِّدَ أيهم القائدُ .. لأعرِفَ إلى أيِّ الأحزابِ ينتمي !!
.
.
و كانت الثانيةُ :
" أطلب منه أن يخبرني كيف أصبح والده ثريا و بأي طريقة , فيقول إن الحديث عن المال يبعث في نفسه الضَّجَرَ " ..
يبدو أن هذا ما يحدث دائما .. يَمَلُّ المُحيطون بنا مما نفعله كل يومٍ , لِدَرَجَةِ أنهم يتكرَّهون من مجرد الإجابَةِ عن حالِنا لو سُئلوا عنها ؛ لأنهم فقط متكرهين من كوننا نفعلُ ذاتَ الفِعْلَ كل يومٍ !!
حتى لو كان ما نفعله .. صالحًا و مُفيدًا لهم ....!!
.
.
.
ها هو العيدُ لم يتغيَّرْ ..
لَمْ يُشبِهْ حتى الآن شيئًا ألِفْتُهُ ..
إنه مختَلِفٌ .. غريبٌ .. بنكهةِ فاكهةٍ لم أتذوقها بعد .. لا أعرفها .. و ربما تكون نوعًا من أنواع الخُضار ..

عيدُ هذا العيدِ .. حقيقةً .. لا يشبه النومَ على وسادةٍ غريبة .. و إنما يُشبه الأرقَ على وسادةٍ لستُ صاحبتها !!
.
.

1- 10-1427هـ



.. عيدٌ يُشبِهُ ... شيئا ما !! ..


هذا العيد .. يختلف كثيرا و جِدًّا عن أعيادِ ( زمان ) .. !!
يُشْبِهُ النومَ على وسادةٍ غريبة .. حيثُ يتلَبَّسُكَ إحساسٌ بالشوقِ لوسادَتِكَ .. و سريرِك .. و ربما حُلُمٍ كنتَ تكوِّرُهُ كُلَّ ليلةٍ قُرْبَ صَدْرِكَ .. تحتَضِنُهُ في مخيلتكَ .. و تغفو ساهيا عنه !

عيدُ هذا العيدِ .. لا يُذّكِّرُني سوى بنكهةِ فاكهةِ الـ ( كاكا = المانجو الحمراء ) .. و التي لمْ أفْهَمْ كيفَ يتلذذون بها ؟! تماما بذلك القَدْرِ الذي أعتَقِدُ و أؤمن بأنَّ ثمة لذةً ما فيها غائبة عني .. و السبب أنني لَمْ أعتَدْها بعد !!

عيدُ هذا العيدِ .. برغمِ أنه لمْ يبدأ بعد .. يُثير حفيظتي .. و يحقِنُ عينيَّ بالمِلْحِ .. أو بالسُّكَّرِ .. فأنا لم أتذوق دمعيَ بعدُ !!

عيدُ هذا العيدِ خاوٍ .. يَزُجُّ في النَّفْسِ إحساسًا بالفَقْدِ ..
المكان و الزمان و الناس .. جميعهم تبدلوا إلى آخرين .. و كأنَّني شهدتُ ولادةً في عالَمٍ آخرَ .. لا هو بقادرٍ أن يُقنعني بجماليته .. و لا أنا بقادِرة فيه عن التخلي عن أغراضِ الحياةِ الماضية .. كُلُّ شيءٍ باقٍ في مستودَعِ الذاكرةِ .. ينبِضُ كروحٍ لمْ ترتفِعْ بعدُ إلى السَّماءِ .. ينبِضُ لأنه حيٌّ .. فأينَ أذهبُ بِكُلِّ تلكَ الأرواحِ التي تسكنني ؟!

عيدُ هذا العيدِ ...
في مدينةٍ جديدة .. أشعُرُ فيها بالغربة ..
يُتعِبُني ألا أعرِفَ أسماء الشوارِعِ و أنا أسيرُ فيها ..
يُتعِبُني ألا أجِدَ شارِعًا واحِدًا شبيهًا بأحَدِ شوارِعِ مدينتي القديمة !!
يُتعِبُني أنني أُضطرُّ إلى ارتداءِ حياةٍ جديدةٍ .. دونَ أن أحتَفِظَ بردائي القديمِ للعودةِ إليه بعد انتهاءِ العيد !!

عيدُ هذا العيدِ ..جديد ..
و أنا أهيمُ بالقديمِ من الأشياءِ ..
أنا امرأةٌ من ذاكرة .. و كُلُّ ما لا ينتمي إليَّ و إليها .. ألوكُهُ كقطعَةِ ( قاتٍ ) مُرَّة !!

عيدُ هذا العيدِ .. مُختَلِفُ .. تبعتني ألوانُهُ إلى الكُتُبِ .. فما قرأتُ شيئًا أقنعني .. اصطدمتُ بكتابين .. و عبارتين .. أغلقتُ بعدهما حظي و أكملتُ احتفالاتي .. و خلدتُ لتفاصيلِ أعيادِ ( زمان ) !!

كانت العبارَةُ الأولى :
" قائدي يقودني من الداخل " ...
و كاتبها شخصٌ أجنبي أي غربي .. و ليس أجنبيا عربيا كما يُطلِقُون علينا بينهم !!
السرُّ فيها أنه يَعْتَقِدُ بأنَّهُ يقودُ نفسه .. مع أنَّ في داخله أكثر من نفسه .. فثمة ضمير و هوى و شيطان .. و لذلك كان بودي أن يُحَدِّدَ أيهم القائدُ .. لأعرِفَ إلى أيِّ الأحزابِ ينتمي !!
.
.
و كانت الثانيةُ :
" أطلب منه أن يخبرني كيف أصبح والده ثريا و بأي طريقة , فيقول إن الحديث عن المال يبعث في نفسه الضَّجَرَ " ..
يبدو أن هذا ما يحدث دائما .. يَمَلُّ المُحيطون بنا مما نفعله كل يومٍ , لِدَرَجَةِ أنهم يتكرَّهون من مجرد الإجابَةِ عن حالِنا لو سُئلوا عنها ؛ لأنهم فقط متكرهين من كوننا نفعلُ ذاتَ الفِعْلَ كل يومٍ !!
حتى لو كان ما نفعله .. صالحًا و مُفيدًا لهم ....!!
.
.
.
ها هو العيدُ لم يتغيَّرْ ..
لَمْ يُشبِهْ حتى الآن شيئًا ألِفْتُهُ ..
إنه مختَلِفٌ .. غريبٌ .. بنكهةِ فاكهةٍ لم أتذوقها بعد .. لا أعرفها .. و ربما تكون نوعًا من أنواع الخُضار ..

عيدُ هذا العيدِ .. حقيقةً .. لا يشبه النومَ على وسادةٍ غريبة .. و إنما يُشبه الأرقَ على وسادةٍ لستُ صاحبتها !!
.
.

1- 10-1427هـ
إلى وطنٍ كَعُش


كنتُ فيكَ يا وطنًا ( ربما ) .. كلُّ ما في الأمر أنني تعوَّدتُ غيابَه ُ ..و تعوَّدَ كثيرًا أن أغيب أو ألا أكون موجودةً على الأصح ..كنتُ أبحثُ عني فيكَ .. و ما وجدتُ سوى طيرٍ ضريرٍ يبحثُ عن عشهِ و هو عالقٌ بعُشِّه ..فما ذلك الشيءُ الذي أوعزَ للطير بأنه قد أضاعَ عُشَّهُ يا ترى ؟!كان ذا سؤالي الذي يفصلني عن الـ ( وطن .. ) !!و لكن لأنني مللتُ عادةَ البحثِ ؛ تركت الإجابةَ و تركتُ البحث عنها .. و ما لذتُ بالفشلِ في أن أترُكَ الشوق إليكَِ ..
المَوْتُ يَباسًا

-١-
تِلْكَ الأغصانُ التي تَحْتَ جِلدي .. لا تَكُفُّ عن وَخْزي ..
الشَّجَرَةُ التي تعيشُ في جسدي .. تتمايل كُلَّ هُبوبٍ ..
و مع كل عاصفة ..
فَكَّرْتُ أنني لَوْ قصصتُ أَغْصانَها ..
هلْ سأَبْدو جِلْدًا لَدْنًا قَدْ عافَتْهُ الحياةُ على قارِعَةِ الموتِ ؟!
.
.

-۲-
حينَ دَرَسْنا في العلوم أن الشجرة كائنٌ حيٌّ ينشأ من بِذرة صغيرة .. ينمو و يكبر .. يشرب الماء و يتنفس الهواء ..
يتطاول حتى يبلغ فتنبت أوراقه و يضرب عميقا في التربة ..
تساءَلْتُ .. لِماذا قال داروين أننا ننحدر من سُلالَةِ القِرَدَة ؟! .
.
.
-۳-
" أيُّها البُسْتَانِيُّ ..
الأشجارُ ليسَتْ بِحاجَةٍ لِلتزيُّنِ ..
إنها كَلِمةُ الطَّبيعةِ ..
لا تُراقِبْها .. و لا تُجَمِّلْها ..
ففي القَصْرِ أرواحٌ هي الأوْلى بالتشذيب ! " .
.
.
-٤-
و مهما اشتَدَّ البَرْدُ على أَجْسادنا
إنما لَدَيها قِشْرَةٌ لا تأكُلُها وَحْشِيَّةُ الفُصولِ ..
تُلقي بأوراقِها اليابِسَةِ ..
فَتَسُدَّ نَهَمَ الرِّيحِ ..
و تُبْقي الخَضْراء فيها غَنَجًا لأنثى !
.
.
-٥-
أشجارُ ( كَسَبَ ) و ( كَفْرُون ) موشومَةٌ بأسماءِ العُشَّاقِ ..
بعدَ زَمنٍ ..
تشيخُ أجْسادها .. و يبقى الوَشْمُ خُدوشًا مُجتَرَحة ..
يَخْلَعُ العُشاقُ وجوههم و قلوبهم ..
يعودونها فُرادًى ..
يملؤون الخدوشَ بالدَّمْعِ ..
و البَعْضُ يملؤها بالبُصاقِ و الشتائم !
.
.
-٦-
لَو أننا نخجل – على الأقل – من الأشجار ..
تِلكَ التي في فناء الدار ..
أو تلك التي تحف الطريق إلى دُكانِ الحي ..
أو تلك التي حفرنا عليها حروف أسمائنا و تاريخ العشق و ميلاده ..
لو أننا نخجل ..
لَرُبَّما احترفنا الوفاءَ للبشر !
.
.
-٧-
إنها عاهةٌ مُسْتدامة ..
تعيشُ بِساقٍ واحدة ..
خرساء , عمياء .. صماء , بكماء ..
و كُلُّ ذي عاهَةٍ جَبّار !
.
.
-٨-
أنا شجرةٌ تشيخ دون أن تزداد حلقاتُها ..
أرفَعُ أغصاني إلى السماءِ أناجي :
" أيها السَّاقي إليك المُشتكى "
مما اعترى في دَهرِنا بعضَ البشَرْ
قدْ بَدَتْ سَوْءَاتُهُم حتى اشتكى
مما رأى في لَيلِنا ذاك القَمَرْ .
.
.

/يونيو/
-3-

تقول جويس كارول أوتس: "إن أساس فن الكاتب ليس في مهارته ولكن في إرادته أن يكتب, رغبته في أن يكتب, بل في عدم قدرته على ألا يكتب.. أوجه طلابي دوما إلى أن يكتبوا كثيرا: اكتب يوميات, دون ملاحظات, اكتب عندما تشعر بالتعاسة, وعندما تشعر أن عقلك على وشك الانهيار.. من يعلم ماذا يمكن أن يطفو على السطح؟".
ربما يتبادر إلى الذهن أن دفتر اليوميات هو ذلك الدفتر الذي يحوي كل ما يحصل لنا, بمثابة الوطن لما ينتابنا في حياتنا الخاصة.. وفعلا قد لا يتضمن هذا الدفتر أكثر مما نعيشه على المستوى الفردي, لكن هذا المضمون الوحيد غير مفيد إبداعيا؛ لأنه سيموت بالتقادم حين تنتهي المشكلة أو ينتهي الشعور بالمشكلة.. عدا عن كونِكِ لن تجدي سوى تجربتك الخاصة لتُنتِجي منها (كتابة إبداعية) مفيدة للآخرين.. وقد لا تكون تجربتك تجربة كافية لذلك..!
ولذلك فإنني أرى بجانب تجربتكِ أنتِ.. دوني في دفتر يومياتِكِ أمرين اثنين: الأول ما يُنتِجُه خيالُكِ من أفكار وقصص وخواطر.. والثاني: ما تسمعينه من غيركِ أو تُصادفينه من مواقف أو يفاجئك من حكاياتٍ يحكيها لكِ من حولك..
وحين يحتوي دفترُكِ على هذه العصارة اليومية من الكلام.. فإنه بلا شك سيكون ذا طاقة كامنة تدب في المستقبل وتؤسس لإبداع كتابي مُرتَّب وزاخر بالتجربة الإنسانية التي جمعتِها.. ذلك أن عقل الإنسانِ مُصابٌ بالنسيان.. وأنتِ تريدين أن تكوني كاتبة مشهورة.. والكاتب المشهور عليه أن يكون مختلفا وألا يكتب عن نفسه فقط.. كما أنه لا يخترع كل القصص لحظة الكتابة.. وإنما يدون كل شيء.. ويعود له حين يريد أن يحقق غاية أدبية ما..
اجعلي في حقيبتكِ دفترا صغيرا تدونين فيه كل ما هو ملفت للانتباه.. أخرجيه كلما خلوتِ بنفسِكِ ودوني ما يستحق وما قد يُفيد.. لا تفكري كثيرا في هذا.. لأن التفكير عملية لاحقة: ( كيف يمكنني أو أوظف ما دونتُ.. وكيف أخيط ما مر بي وما أتخيل في ثوب واحد متجانس ومثير للقارئ...) .
لا تنتظروا الإلهام حتى تكتبوا, ولا تكتفوا بحياتكم ومشاعركم الخاصة كمادة للكتابة, اجعلوا دفاتركم مزدحمة بالناس والوجوه والقصص اليومية.. اجعلوها محشوة بالتفاصيل والروائح والنكهات والرغبات, اجعلوها ناطقة بالحب والكره والغضب والسعادة.. اجعلوها لكم عنكم وعن كل ما تدركه حواسكم من لقطات ومشاهد يومية.. فإن فعلتم.. ستجدون لدفتر اليوميات قيمة عظيمة في المستقبل.. صدقوني..

محبتي.

14 فبراير 2009

أيها الحطبُ...!

-1-
أنا النارُ
تظلمني الرطوبَةُ فيكَ..
أي سماءٍ جرؤتْ أن تبلل أجزاءكَ خِلسَةً ؟!..
ألمْ تعلَم أنكَ خُلِقْتَ لِتُشعِلني..
فأبدأ من عندِكَ وأنتهي معكَ.
أي غَيْمَةٍ اشتهتْكَ قَبْلي..
هاتِ أجوِبَةً تُطفئُ الغيظَ
والغيرة
وبداياتِ النقمَةِ..
هاتِ ما عِندَكَ إنْ كُنتَ حَطَبًا!!

-2-
بدأتُ أتشاءَمُ من لُغَتي حين أكتُبُ لَكَ..
ما عَرِقَتْ مَرَّةً في قميصِ الورقِ
إلا وخذَلَتْني نبرةُ صوتِكَ في الصباحِ..
مع أنني لا أشتمكَ .. ولا أهجوكَ..
وكل ما أكتبه : (أحبك)!!
فهل أكف عن(أحبكَ)..
أم عنكَ.؟!
أم عن الكِتابَةِ والحُلُمِ..
وأكتفي بلحنِ صوتِكَ أنت؟!




ذات مساء - 2008
يصرون على تشويهك في عينِ ذاتِكَ..

يعبرون عن كراهيتهم..

يجعلونك تكره ذاتك.. تمجُّها.. تحتقرها..

تُفَضِّلُ أن تغيب عن وعيهم.. وتتكوم على ذاتِكَ كورقَةٍ منفيةٍ منكمشَةٍ في قعر حاوية.

لكنك تُفكِّر لثانية..

هم لن يساعدوك أن تحب نفسك..

ولذا..

فإن عليكَ أن تحب نفسكَ بما يكفي لتدافع عنها وتثقَ بكَ!
نعم..

أختار الهروب..

أدرك أنه ضعف أنطوي عليه.. وماذا في الأمر..ولهذا أنا أمتهن الكتابة, أكتب الإهانة.. والمهانة ..!

هذا ما يحدث مع الشعراء والأدباء, إنهم يهربون مما يضغط على حواسهم..يتنمرون في أقلامهم..ينتفخون في أقنعة أحبارهم.. يتوحشون في اللغة..لكنهم بعدها يعودون إلى أجسادهم وأرواحهم المرهفة..يتعبون.. يتأثرون.. ويبكون!
الآن فهمتُ يا درويش لماذا كنتَ تبحث عن الأشياء لتكتب عنها.. jبحث فيها عن العالَمِ والناسِ..تتعلَّقُ بالاستعارةِ ولا تكتب عن شيءٍ بعينه.. حتى لا تتأذى.. تعتزل الناس.. تختار أن تكتب عن الرصيف.. والبعوضة التي تضايقُ نومك.. وتتلافى الكتابة عن أحد..!.

الآن فهمتكَ يا درويش.. رغم أنني لا أحبك كثيرا..

فهمتكَ..

ويكفي أن أفهمك لأصادِقَك!..


رَحِمَكَ الله.
مِنْ أينَ أعصِرُ عَقلي..

لا تمر الساعاتُ فارغة أبدًا حينَ تكون بين كائناتٍ بشرية.. ربما لأنهم يتعايشون بطريقةٍ معقدةِ البناء.. لا يسعون إلى الاتفاق أبدًا وكأنهم بهذا يحافظون على كينونتهم.. وكل هذا سعيا نحو الذات التي تحكمها النرجسية!

بالنسبة إليَّ, لا أجد في موافقةِ الجميعِ ما يُلغيني.. وما لا أتفق معه لا أحاول الانتباه إليه.. أو تطبيعَ لساني معه.. لأن الأشياء التي نختلف معها كثيرة.. ولو جادلنا كل مرة.. لن نصل أبدا إلى اتفاق!

لكن..

كم عدد أولئك الذين يمكنهم مسايرة الأشياء غير المزعجة..؟!.:.

13 فبراير 2009

-4-

لا أحب أن أُفخِّمَ الأشياء أو أضعها تحت مجهرٍ, لكن أشياء قليلة لا يمكنك مهما تجاهلتها إلا أن تشعر بفخامتها.. وعِظم قَدْرها..
آخرُ ما نشر محمود درويش مِنَ الكُتُبِ كتاب يوميات بعنوان (أثر الفراشة), غير أننا حين نقرؤه لا نجد فيه تِلْكَ الخصوصية الزائدة التي ندوِّنُ بها يومياتنا, كما أنكَ لا تجد أحداث أيامِهِ بقدرِ ما تجد أحداثَ واقعنا العربي.. تشعر أن قلمه موصولٌ بالعالَمِ كُلِّهِ.. وكُلُّ ما يسقُطُ على حواس درويش ينتقل مباشرة إلى سنة القلم.. متشكلا في اللغةِ كنبضٍ لا يمكن أن تمسَّهُ عينكَ دون أن تنبض معه.أَلَمْ يَقُلْ مرَّة:


وأنتَ تُعدُّ فطورك فَكِّرْ بِغَيْرِك
لا تَنْسَ قوتَ الحَمامْ


حتى يقول:


وأنت تفكر بالآخرين البعيدين, فكر بنفسك
قل: ليتني شمعة في الظلام!


وأنا أقول:

وأنت تكتبين يومياتك, تدونين ما تدونين من أفكار, فكري بغيرك.. وفَكِّري فيمن سيقرؤها بعدك.. واعلَمي أن اصطناع الكتابة وافتعالها لا يأتي بإبداع, وأن الإحساسَ بالكلمة والتكلم بواسطة الإحساس مع وجود عنصر التخييل هما عمادا التميز الإبداعي والأدبي..
جرِّبي أن تكتبي يوميا.. تعوَّدي أن تُصاحِبي القلمَ.. فإذا رأيتِ أنكِ تكتبين نفس التعابير وأنكِ تُكرِّرين جُمَلَكِ نفسها دون أن تُجَدِّدي في الصورِ والأفكار واللغة, فاعلمي أنك بحاجة للقراءة اليومية أيضًا.. ولا تعتقدي أن قراءة الصحف والمجلات قد تهَبُكِ أي فائدة على مستوى اللغة والصياغة, بل اختَاري الكُتُبَ الأدبيةَ كالبيان والتبيين للجاحظ, والعقد الفريد لابن عبد ربه الأندلسي, ومقدمة ابن خلدون وما هو على مستوى ذلك من الكتب, ففيها من الكَلِم والحكمة ما يغنيكِ ..
وحين تريدين أن تكتبي عن عالَمِك, اقتربي مما تريدين الكتابة عنه بشكل جيد, لا تكتبي عن الأشياء عن بعد وبسطحية, ولا تُغرِقي في تفاصيل الأشياء فتضيعَ عينُ القارئ عن ملامح الموضوع..
وقبل كل ذلك, استمتعي بكتابة أفكارك التي تطوف في عقلك.. ألا تستمتعين حين تتحدثين بها للآخرين؟!..

وكوني مبدعة حقيقية.

12 فبراير 2009

-5-
كلما أمعنَّا في الحياة ازداد الأمر سوءًا؛نحن نسير باتجاه الموت.. كل من حولنا سيكبر أكثر..
الذاكرة تتعبَّأ كل يوم بالكثير.. ولا شيء يفرغها مما فيها أبدًا!!
الكتابة قد تفعل ذلك.. لا شيء يمكن التخلص منه نهائيا.. إنما هي محاولة لِضغط ملفات الحياةِ في مستندٍ هو دفتر اليوميات.. ليومٍ ما قادمٍ..!
يقول ماركيز: " الحياة ليست ما يعيشه أحدنا, وإنما ما يتذكره.. وكيف يتذكره ليرويه!"..
ودفاترُ اليوميات تحمي التفاصيل من التلف.. ليبقى كل شيءٍ كما عشناه في ذات اللحظة.. مكتوب كما هو!!
يمكنك أن تحبِسَ ملامحك في صورةٍ فوتوغرافية, لكن الأرواح وملامح الأرواح.. لن تحبسها سوى في دفتر يومياتِكَ الذي سيؤرخ لكَ.. والذي سيجعلك قابلا للقفز إلى زمنٍ لن تكون موجودا فيه.. فيعرفك أحفادك.. ويتعرف إلى عقلِكَ جيلٌ بأكمله!
فقط لأنكَ تكتب!يالَها من مُعجزة!
أنت تمنحُ أحفادكَ الكثير حين تُفَكِّرُ بأنهم سيقفون في فناءٍ يتردد فيه صوتُكَ.. هم لم يسمعوكَ جيدا حين كانوا أطفالا.. لم يفهموك.. وحين كبروا كانوا قد تأخروا كثيرا عنكَ.. أرادوا أن يتحلقوا حولكَ لتثريهم من تجاربك ورؤاك وخبرتك في الحياة.. ولم يستطيعوا حتى قرؤوك.!!.

* *

وإن لَمْ تَمُتْ.. طعنتَ في الحياةِ.. ومللتَ تكاليف الحياة.. فتحتَ دفاتر يومياتك القديمة.. ووجدتَ ما يُسَلِّيكَ ويسحبُكَ إلى ماضٍ عتيقٍ كنت تسكنُهُ وتلونه.. ترتحل روحك إليه لتمتزج بحِبْرِ قلمك.. وتتذكر..... تبتسم.. ثم تتأوه!
يقول زياد خَدَّاش :
"أنا أكتب؛ حتى أؤخر الإحساس بالنهايات؛ فأنا رجلٌ محاطٌ برعب النهايات: نهايات أصحابي، نهاية مدينتي، نهاية وطني، نهاية نقودي، نهاية أمتي، نهاية نهايتي، نهاية مهنتي، نهاية يومي، نهاية حبيبتي، نهاية جسدي، نهاية قلـمي ...
أكتبُ؛ حتى أتوهم أنني قوي؛ فأنا في الأصل مفطور على الهشاشة والضعف ومنذور للعري. الدنيا حولي دائماً برد، ولا أثق بجلدي؛ فألبس الكتابة جلداً ومعطفاً وقبعةً، وأمضي رجلَ الجليد المبتسم أنا؟.
أكتب حتى لا أنسى أن هذه الأرض يسكنها آخرون غيري!
أكتب؛ حتى أعرف زياد خدَّاش؛ فأحبّه
."

* *

لو لَمْ تكن ماهرا في دفتر يومياتك.. ولَمْ تجد حاجَةً منطقيةً تدفعك إليها.. فإن في كل هذا ما يجعل منها حاجةً إنسانيةً مُلِحَّة.. حاجَةً لا يجب أن تركنها جانبا.. مهما كانت أفكارك مملة!